ابن تيمية
38
مجموعة الفتاوى
وَلَمَّا كَانَتْ طَرِيقَةُ السَّلَفِ : أَنْ يَصِفُوا اللَّهَ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ رُبَّمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ . وَمُخَالِفُو الرُّسُلِ يَصِفُونَهُ بِالْأُمُورِ السَّلْبِيَّةِ : لَيْسَ كَذَا لَيْسَ كَذَا . فَإِذَا قِيلَ لَهُمْ : فَأَثْبِتُوهُ . قَالُوا : هُوَ وُجُودٌ مُطْلَقٌ أَوْ ذَاتٌ بِلَا صِفَاتٍ . وَقَدْ عُلِمَ " بِصَرِيحِ الْمَعْقُول " أَنَّ الْمُطْلَقَ بِشَرْطِ الْإِطْلَاقِ لَا يُوجَدُ إلَّا فِي الْأَذْهَانِ ؛ لَا فِي الْأَعْيَانِ وَأَنَّ الْمُطْلَقَ لَا بِشَرْطِ لَا يُوجَدُ فِي الْخَارِجِ مُطْلَقاً لَا يُوجَدُ إلَّا مُعَيَّناً وَلَا يَكُونُ لِلرَّبِّ عِنْدَهُمْ حَقِيقَةً مُغَايِرَةً لِلْمَخْلُوقَاتِ بَلْ إمَّا أَنْ يُعَطِّلُوهُ أَوْ يَجْعَلُوهُ وُجُودَ الْمَخْلُوقَاتِ أَوْ جُزْأَهَا أَوْ وَصْفَهَا وَالْأَلْفَاظُ الْمُجْمَلَةُ يَكُفُّونَ عَنْ مَعْنَاهَا . فَإِذَا قَالَ قَوْمٌ : إنَّ اللَّهَ فِي جِهَةٍ أَوْ حَيِّزٍ وَقَالَ قَوْمٌ : إنَّ اللَّهَ لَيْسَ فِي جِهَةٍ وَلَا حَيِّزٍ اسْتَفْهَمُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِن القَائِلِينَ عَنْ مُرَادِهِ ؛ فَإِنَّ لَفْظَ الْجِهَةِ وَالْحَيِّزِ فِيهِ إجْمَالٌ وَاشْتِرَاكٌ . فَيَقُولُونَ : مَا ثَمَّ مَوْجُودٌ إلَّا الْخَالِقُ وَالْمَخْلُوقُ وَاَللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ بَائِنٌ عَنْ مَخْلُوقَاتِهِ ؛ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ خَلَقَ الْمَخْلُوقَاتِ بَائِنَةً عَنْهُ مُتَمَيِّزَةً عَنْهُ خَارِجَةً عَنْ ذَاتِهِ لَيْسَ فِي مَخْلُوقَاتِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَاتِهِ وَلَا فِي ذَاتِهِ شَيْءٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُبَايِناً لَكَانَ إمَّا مُدَاخِلاً لَهَا حَالّاً فِيهَا أَوْ مَحَلّاً لَهَا وَاَللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ . وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ مُبَايِناً لَهَا وَلَا مُدَاخِلاً لَهَا فَيَكُونَ مَعْدُوماً وَاَللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ . وَالْجَهْمِيَّة نفاة الصِّفَاتِ تَارَةً يَقُولُونَ بِمَا يَسْتَلْزِمُ الْحُلُولَ وَالِاتِّحَادَ أَوْ يُصَرِّحُونَ